by Robert Breedlove, CEO/CIO Parallax Digital – Translation by SB3

سادة المال وعبيده

المال وسيلة للمتاجرة بالوقت الإنساني. تتخذ البنوك المركزية، وهي سادة المال في العصر الحديث، هذه الأداةَ سلاحًا لسرقة الوقت وتعميق التفاوت في الثراء. أظهر لنا التاريخ أن فساد الأنظمة المالية يؤدّي إلى التدهور الأخلاقي وانهيار المجتمعات والعبودية. وما دامت شهوة التلاعب بالمال أثبتت أنها أقوى من أن يقاومها البشر، فإن الترياق الوحيد لهذا السمّ, نظامٌ مالي لا يُستطاع إفساده: البيتكوين.

 

مزوّرو المال مُلّاك عبيد

    «تربأ المعرفة بالإنسان عن أن يكون عبدًا».  —فردريك دوغلاس

 

في إفريقيا الغربية القديمة، كان خرز الأغري، وهو خرز صغير للزينة، هو المال المعتمد قرونًا عديدة. استعمل هذا الخرز المجهول المصدر وسيلةً لتناقل الثروة بين الناس بالتجارة (بوصفه مالًا)، وعبر الأجيال (بوصفه جهازًا أو ترِكة). عندما ظهر المستكشفون الأوروبيون في إفريقيا في القرن السادس عشر، ظهر لهم على وجه السرعة أن أهل إفريقيا يجعلون لهذا الخرز قيمة كبيرة. ولمّا كانت تقنية صناعة الزجاج في إفريقيا بدائية في ذلك الوقت، كان إنتاج خرز الأغري صعبًا، ومن ثم كان هذا الخرز منتجًا نادرًا بالمقارنة مع غيره، وهي خصيصة مالية دعمت قيمته في السوق.

 

أما في أوروبا، فقد كانت صناعة الزجاج متطورة أكثر، وكان سهلًا على الأوروبيين ورخيصًا أن يزوروا خرزًا مطابقًا في مظهره لخرز الأغري. استغل الكثير من صنعَة أوروبا الفرصة الاقتصادية، وجعلوا يقيمون الرحلات إلى غرب إفريقيا، لينقلوا عليها الخرز المزوَّر تزويرًا متقنًا بالقدرات الأوروبية في صناعة الزجاج. كان هذا النموذج واحدًا من أوائل عمليات تزوير المال الواسعة المعروفة في العالم. وكانت نتيجة هذا التصدير الذي يظهر أنه بريء، نهب الثروة الإفريقية والموارد الطبيعية والوقت الإنساني، نهبًا استمر عقودًا من الزمن.

 

لما وصلت السفن الأوروبية إلى الشواطئ الإفريقية، مملوءة بالخرز الزجاجي، باع الأهالي للأوروبيين أصولهم التي جمعوها بجهدهم مقابل ما اعتقدوا أنه خرز الأغري الثمين. وعلى مدى عقود، سهّلت مقايضة الأصول الحقيقية بالخرز المزور استلاب الأوروبيين للثروة الإفريقية، وهي حلقة إجرامية بطيئة شلّت المجتمع الإفريقي قرونًا بعدها. سُمّي خرز الأغري بعد ذلك «خرز العبيد»، ولما أصبح الأفارقة المساكين بائسين، أُجبر بعضهم على بيع أنفسهم عبيدًا للمغتصبين الأوروبيين. أصبح خرز العبيد، وهو واحد من كثير من الأنظمة المالية التي اتخذها المزورون سلاحًا، أداة في تجارة العبيد الأطلسية التي دامت قرونًا.

### على مدى 365 عامًا، نُقل 12 مليونًا ونصف مليون عبد من إفريقيا إلى أوروبا والأمريكتين ###

في مهزلة بربرية من مهازل التاريخ، رجعت السفن المحملة بالخرز المزور من إفريقيا إلى الشواطئ الأوروبية والأمريكية محملة بالبشر. ومن غير رحمة ولا إنسانية، عُبّئت هذه السفن بالعبيد حتى امتلأت، كما كانت من قبل مملوءة بالخرز الزجاجي الذي اشتري به هؤلاء العبيد.

### مُلئت أبدان السفن بالعبيد، كما كانت من قبل مملوءة بالخرز المزور لشرائهم، ليُنقَلوا بعد ذلك إلى أوروبا والأمريكتين. ###

ولسوء الحظ، لم يكن نهب الثروة هذا الوحيد من نوعه، بل كانت شرائط القماش نوعًا آخر من الأموال المستعملة في إفريقيا القديمة، وكانت وسيلة مستقرة لنقل الثروة على مدى قرون طويلة من التجارة مع التجار المسلمين من الشمال. وسرعان ما بدأت القبائل الإفريقية المحلية تنتج هذه الشرائط، التي كانت تُسمّى بالدارجة «بانو»، ولكن البرتغاليين فاقوها بطرائق الإنتاج التي كانوا يستعملونها. كان بعد ذلك أن البرتغاليين استعملوا الشرائط لشراء العبيد الأفارقة ليستعملوهم في إنتاج الشرائط نفسها التي سُلبت بها حريتهم، في تدبير اقتصادي مربح، وفاسد. وقد وصف المؤرخ الأسكتلندي كرستوفر فيفي هذه العلاقة التجارية البغيضة فقال:

 

    «كان بعض العبيد حاكةً، وكانوا يحيكون القطن الأقمشة القطنية المحلية كما كانوا يفعلون في أرضهم. وأُدخلت أنماط متقنة جديدة من النوع الإفريقي الشمالي، ومن منتصف القرن السادس عشر، بدأ تصدير شرائط الرأس الأخضر المالية بانتظام إلى غينيا لشراء العبيد بها.»

 

أغرت إمكانية الربح غير المحدود المزورين البرتغاليين، فأسسوا شركة احتكارية مدعومة من الحكومة اسمها شركة غارو بارا ومارانهاو، وقد فرضت هذه الشركة استعمال مستودعاتها ومتاجرها لكل العمليات المالية المسعرة بالبانو. فرضت هذه الشركة استعمال البانو لدفع الضرائب، ولتقييم عقود شراء العبيد، ولتوظيف الجنود. وإذا أردنا تسمية مثال واحد مشابه اليوم، فهو الحكومة الأمريكية إذ تفرض استعمال الدولار لدفع الضرائب، بوصفه العملة القانونية الوحيدة، ولعقود النفط (وهو العبد الطاقيّ للحداثة)، كما تفرضه عملةً احتياطية عالمية (وهو «الامتياز المفرط» المخزي).

 

تجري في الاقتصاد العالمي الحديث أحداث مشابهة جدا لقصتي تزوير الخرز والقماش: الدولار الأمريكي الذي في جيبك، الذي لطالما ضحيت لتحصل عليه، قد أنتجته الحكومة الأمريكية قبل قليلة بكبسة زر (شبه مجانية). كما كان للأوروبيين من قبل تقنية صناعة الزجاج المتطورة التي مكنتهم من تزوير المال بثمن بخس، وكما احتكر البرتغاليون إنتاج البانو، كذلك للبنوك المركزية اليوم أفضلية حصرية تمكنهم من إنتاج المال بشبه المجان، وهو ما يمكنهم من مصادر ثروات كل مستعمل للدولار متى شاؤوا. ولئن كانت البنوك المركزية أخفى وأقل عنفًا، فإنها في الحقيقة تستعمل أساليب السرقة نفسها التي استعملها الأوروبيون الخبثاء ضد الأفارقة الغافلين.

 

إن في تاريخ الفعل الإنساني المتعلق بالخرز والبانو دروسًا مهمة للمجتمعات التي تعيش تحت البنوك المركزية: من استطاع احتكار إنتاج المال، أصبح بحكم الواقع قادرًا على تزوير المال لسرقة العمل الإنساني إلى الأبد. عندما يُتلاعَب بالأسواق الحرة، تتفاوت قدرة المنتجين على تحديد أسعار منتجاتهم بغض النظر عن تفضيلات المستهلكين، ومن ثم تتحول الديمقراطيات الاقتصادية إلى دكتاتوريات، وتنقلب الحرية طغيانًا. يقتضي هذا أن في مقدور المحتكرين أن يحصلوا على الوقت الإنساني (أي العمل) في السوق بسعر غير عادل. بعبارة أخرى: يستطيع محتكرو المال أن يسرقوا الوقت الإنساني، وهي قدرة شريرة تجعلهم حقًّا ملّاك عبيد.

إن الحق الحصري لإنتاج المال من دون النظر إلى قوى السوق المتنافسة، أداةٌ للاستعباد، وهي أفضلية خسيسة لا يستطيع المحتكرون حمايتها إلا بالخداع والعنف.

كان الخرز المزور والقماش المزور سلاحًا استُعمل لحيازة الوقت البشري، وهو ما أدى إلى سرقة مباشرة لحياة 12 مليونًا ونصف مليون حياة بشرية بين عام 1501 وعام 1806 (وسرقة غير مباشرة لذريتهم). لقد كانت تجارة العبيد الأطلسية محرقة بطيئة للأفارقة، وقد مات فيها نحو مليوني إنسان في الممر الأوسط المخزي، أما الناجون فقد قضوا بقية حياتهم يكدحون كدحًا، وتحمل النساء منهم أطفالًا لتزيد ثروة السيد. إذا أردنا إحصاء هذه الفظاعة من جهة اقتصادية (غيرَ عادّين المولودين في العبودية)، وافترضنا أن العبد المتوسط يعمل 5 آلاف ساعة كل سنة مدة أربعين سنة، فإن مجموع الوقت المسروق يبلغ تريليونين ونصف تريليون ساعة، أو 6.8 مليار ساعة كل سنة، لمدة 365 عامًا (رابط للمصدر).


كانت تجارة العبيد الأطلسية جريمة شنيعة وضخمة، ولو أن محتكري إنتاج المال واجهوا سوقًا حرّة تنافسية، لما كانت فظاعة التاريخ الإنساني تبلغ هذا المبلغ الخطير. في التنافس السلمي في السوق، يعتمد المنتجون على تفضيلات المستهلكين في إنتاجهم، وهي آلية تضمن رخص الأسعار والابتكار التقني. فإذا غابت هذه المسؤولية، دُفع المنتجون إلى أن يفعلوا أي شيء لزيادة قيمتهم السوقية، ولو كان هذا يقتضي الإكراه بالعنف. ببساطة، ضغط السوق يجعل الناس صادقين: لذلك فإن بنية الأسواق وبنية الأخلاق متداخلتان.

الأسواق والسيادة والأخلاق

    «لا يكون الفعل أخلاقيا حتى يكون حرًّا» ― موري رثبارد

التنافس عملية اكتشاف طبيعية: ففي الرياضة مثلًا، يتيح لنا التنافس أن نعرف أي فريق هو الأقوى في اللعبة الواحدة، ومع تكرار الألعاب في موسم كامل، يتيح لنا التنافس المستمر أن نعرف أي فريق هو الأفضل مطلقًا. في الأسواق الحرة، التنافس هو مجموعة من الألعاب التي تلعَب لمعرفة «مُشبِعات الرغبات» عند المستهلكين: يراهن كل رجل أعمال (باستثماراته برأس المال والوقت) محاولة منه لإثبات خطأ منافسيه في السوق، فيقدم حلولًا أسرع أو أفضل أو أرخص للمشكلات التي يواجهها المستهلكون. إن المنافسة في السوق هي الدافع الأكبر للعمل الصادق وتقدم الحضارة. وكما يقول البراغماتيون الأمريكيون: «الحقيقة غاية الطلب» — بهذا المعنى، يمكن اعتبار السوق إطارًا لطلبٍ مستمر ينتهي بالحقيقة.  إن الأفكار التي يولدها التنافس، التي تنجح في استقصاءاتها الريادية، هي أفضل مقارباتنا للحقيقة، كما قال ويليام جيمس:

    «كل فكرة نستطيع امتطاءها، كل فكرة تنقلنا انتقالًا مزدهرًا من أي مكان في تجربتنا إلى أي مكان آخر، وتربط الأشياء ربطًا مرضيًا، وتعمل عملًا آمنًا، وتوفر الجهد، هي فكرة صحيحة إلى حد بعيد، صحيحة من حيث تفعل هذه الأشياء، صحيحة من حيث هي أداة»

فمن وجهة نظر براغماتية، يصعب تفريق الحقيقة عن الشيء الأنفَع. في منتديات المبادلة الحرة (الأسواق)، تنشأ الحقيقة بهيئة الأسعار الدقيقة، والأدوات النافعة، والفضيلة الفردية. تمثل الأسعار آليًّا منافسة المشتركين في السوق على نسَب المبادلة النسبية، فهي مشتقة من عدد لا يحصى من القرارات التجارية عبر الوقت. وكل أداة لها نفع متفوق على غيرها هي تجلٍّ لأفضل معارف البشر الحالية في حل مشكلة معينة. بعبارة أخرى: مع استعلام رجال الأعمال عن طبيعة الواقع من خلال التجريب، تتأقلم الأدوات التي ينتجونها، والبنية المعرفية التي أنتجوا بها، حسب رغبات المستهلكين، إلى أن يسود في السوق حل أو مجموعة من الحلول. إن الفضيلة والكفاءة هما الخصلتان اللتان تؤديان إلى نجاح رجال الأعمال الذين يستطيعون أن ينجوا من الضغوط الاقتصادية التي تجعلهم مسؤولين عن تكثير الربح. إن وظيفة طلب الحقيقة للأسوق الحرة متكررة ومترابطة في جوهرها، فالأسعار والأدوات والفضائل تتغير باستمرار مع تغير ظروف السوق.

تحسَب «النقاط» في ألعاب الاكتشاف في السوق بالمال، فهو الأداة التي تستعمل لحساب المعاملات ومناقشتها وتنفيذها على أفضل طريقة. التنافس في السوق هو الذي يجعل المنتجين صادقين: فإذا كُبت هذا التنافس بالإكراه أو العنف، كما يحدث في «الاحتكار القانوني»، تصبح الحقيقة مشوهة بأسعار غير دقيقة، وأدوات غير فعالة، وفساد أخلاقي فردي. أما احتكار إنتاج المال، فيعني أن المنتجين غير الصادقين يصبحون مزوري عملة ويكتسبون سلطة (بالخداع والعنف) على الوقت الإنساني.

 

### أدت سرقة الوقت الإنساني بتزوير العملة إلى بيع العبيد بالمزادات العلنية. ###

خلافًا للحكمة المعروفة، المال ليس «أصل كل الشرور»، بل هو مجرد أداة للمتاجرة بالوقت (أو العمل)، الأداة التي استطاع بها المشتركون في السوق تمثيل تضحياتهم ونجاحاتهم وبثها بينهم على مدى تاريخ المعاملات الاقتصادية. والمال كأي أداة أخرى، ليس له نظام أخلاقي في نفسه. الأدوات مستقلة عن الأخلاق، أي يمكن استعمالها لتحقيق الأهداف الشريرة كما يمكن استخدامها لتحقيق الأهداف الخيرة. وإنما يعتمد المخرَج الأخلاقي لاستعمال أي أداة على نية المستعمِل. المال وسيلة تجارة بالوقت، ولكن (كما رأينا) يمكن أيضًا أن يتَّخَذ سلاحًا لسرقة الوقت، كما يمكن أن تستعمل المطرقة لبناء بيت أو لسحق جمجمة.

وإذا أردنا الدقة، فالمال —هو ومقدماته: الفعل والقول— «أصل كل السيادة»: أي السلطة التي تخول صاحبها أن يفعل في الكون أي شيء يريده. السيادة — وهي كلمة مرتبطة بحكم الملوك، والمال، والشرف الملكي — تعني مكان القوة العليا في مجال الفعل الإنساني. وحسب القانون الطبيعي، فإن السيادة لازمة لكل فرد، لأن على كل إنسان أن يقرر ماذا يفعل، قرارًا واعيًا، بغض النظر عن كل المؤثرات الخارجية التي قد يواجهها. إن في كل واحد منّا حرمًا داخليًّا فيه مصدر لتوليد السيادة، هو مبدأ العقل الذي لا ينتهَك، الذي يسمّى اللوغوس (أو الكلمة). الكلمة هي الخصيصة التي تعرّف الإنسانية، وهي الطبقة الفاصلة بين المجالين الأولين للتجربة الإنسانية: النظام والفوضى. إن قدرة الإنسان على رواية القصص والإيمان بها هي التي تميزه عن الحيوان. سمى فيكتور فرانكل هذا المكان الداخلي «آخر حرية إنسانية».

    «إن آخر الحريات الإنسانية: أن يختار المرء موقفه في أي مجموعة من الظروف، أن يختار طريقه. ولا يزال الاختيار موجودًا دائمًا. كل يوم، كل ساعة، تقدم فرصةً لقرار ما، قرار يحدد إن كنت تريد أو لا تريد أن تخضع لتلك القوى التي هددتك بسرقة نفسك منك، بسرقة حريتك، يحدد إن كنت تريد أو لا تريد أن تصبح لعبةً للظروف، تاركًا وراءك الحرية والكرامة».

ومن كلمة السيادة sovereignty تأتي كلمة الحكم reign التي تعني فترة حكم ملكي. يسكن معظمنا اليوم في فترة تجاوزت الخضوع لعائلة ملكية، وإن مفهومنا الحضاري للسيادة لم يزل يتجه إلى اللامركزية بثبات مع الوقت، متجهًا شيئًا فشيئًا إلى أن يصبح تجلّيًا واضحًا للقانون الطبيعي. وقد عبر جوردان بيترسون عن هذا التطور التاريخي فقال:

    «في أول الأمر، لم يكن سيّدٌ إلا الملك. ثم أصبح النبلاء سادة. ثم أصبح كل الرجال سادة. ثم أتت الثورة المسيحية فأصبحت كل روح مفردة سيدةً، وهو ما قد كان مستحيلًا. إن فكرة السيادة الفردية والقيمة الفردية هي الافتراض الذي تقوم عليه أنظمتنا القانونية والحضارية، لذلك نتصرف معتقدين أن كل واحد منا مركز إلهي للوغوس. ويحترم بعضنا بعضًا بوصفنا أفرادًا مواطنين أسيادًا لأنفسنا، ومتساوين أمام القانون».

إن أساس الحضارة الغربية اليوم هو المبدأ القائل بأن سيادة كل فرد أعلى وأهم من سيادة الدولة: وهو اعتقاد يتمثل في مبادئنا القانونية، كأصالة البراءة «المتهم بريء ما لم تثبت إدانته»، وحرية التعبير.


حرية التعبير عمود من أعمدة المجتمع المسالم، لأن أفكارنا يجب أن تكون حرّة أن تتصارع وتحل صراعاتها حتى لا تتصارع أجسامنا. ينشأ التعبير في البشر نتيجة مباشرةً لمسارنا التطوّري: فحين اتخذت أسلافنا الأوليات قامة منتصبة، اتسع مجالنا البصري، وأصبحت أيدينا أقدَر على التعامل مع البيئة الطبيعية لأنها لم تعد ضرورية للتحرك. وحين أوتينا إبهامات مقابلة (قادرة على التحرك ولمس الأصابع الأخرى في اليد نفسها)، تطورت فينا مهارة مكنتنا من تمييز العالم الطبيعي على نحو مفيد، كترتيب الأشياء والعد وصناعة الأدوات. تطور الجهاز العضلي الجيّد في الوجه واللسان إلى جانب هذا التطور في اليد، فمكن الإنسان من ابتكار اللغات المنطوقة، التي كمّلت قدرة اليد على تصنيف العالم، وقدرة العقل على فهمه (فحتّى حوارنا مع ذاتنا مصوغٌ بالكلام). عزّزت قدرتنا على تغيير الأشياء في العالم بأيدينا قدرتَنا التجريدية على فعل ذلك بالكلام، فتشكلت آلية تلقيم متبادل بين القدرتين المعرّفتين للإنسان. أدّى تطوّر المهارات الحرفية والنطق اللغوي طبيعيًّا إلى التجارة، وصار أكثر الأشياء تبادلًا في أي مجتمع تجاري أهمَّ شيءٍ فيه، المال.

كذلك نرى أن المال نتيجة مباشرة للفعل والكلام: فهذه الثلاثة كلها وسائل أساسية للتعبير السيادي عن الذات. بهذا المعنى، يمكن أن يعدّ المال نوعًا من الكلام في نفسه، أي لغةً للقيمة. وأيّ تقييد لاستعمال هذه اللغة (وهو ما تهدف إليه البنوك المركزية) يقود إلى تقييد لحرية التعبير (وهو ما قد يؤدي إلى حماقات مثل الأرقام غير الشرعية). تحفر حرية التعبير قبر الاستبداد، أما كبتها فهو علامة الأنظمة الشمولية. وإنّ أول هدف لأي دكتاتور هو كتم أصوات المعارضة، وتعتيم نور طلب الحقيقة الذي يشعّ من اللوغوس. لقد كان في القرن العشرين دكتاتوريات كثيرة كبتت اللوغوس، سنسمي اثنين منها:

    «في عام 1917، شرع البلاشفة الروس في تقييد حرية التعبير منذ أول يوم لانقلابهم في أكتوبر. وأقرّوا «مرسوم الصحافة» الذي أغلق كل صحيفة «تزرع الفتنة بتشويه الحقائق». كذلك شرع الاشتراكيون الوطنيون (النازيون) في ألمانيا بعد عدة شهور من توليهم السلطة فيها عام 1933، بحرق الكتب، وأدارت وزارة الدعاية العامة رقابة شديدة.

اللوغوس (λόγος) كلمة إغريقية تعني «النسبة» أو «الكلمة»، وهي المبدأ الذي هو قلبُ كل علاقاتنا الشخصية، التي يعود فضل وجودها إلى الكلمات والأسعار (والأسعار هي نسبُ مقايضة يعبر عنها بمصطلحات مالية). الكلمات والأسعار هما «نسب فئوية»، بروتوكولات لضغط جوانب مختلفة من الحقيقة ومقارنتها والتعبير عنها، وهنا تكمن قوة اللوغوس الإلهي في إنشاء النظام من الفوضى. في اللغة، تأمل كيف أن كل الكلمات لها معان نسبية بين بعضها: فكل التعريفات مؤلفة من كلمات أخرى. في الأسواق، السعر هو تقاطع العرض الخارجي، والطلب الذاتي: وهي آلية تعكس إجماع اللوغوس الجمعي على نسبة مقايضة أي بضاعة بأي بضاعة أخرى (للبساطة، وباللغة العامة للحساب الاقتصاد: المال).

تفسد الحكومة نمط التسعير من خلال التعبير النسبي، من خلال خرق عرض المال (بالتضخم)، وفي الوقت نفسه إخضاع طلبه (بفرض العملة القانونية وقوانين جباية الضرائب). إن إفساد الاكتشاف الطبيعي للسعر، والتلاعبَ باللوغوس الجمعي، مكافئ لتضليل صوت الناس. قال جورج أورويل مرة: «إذا كان للحرية معنى، فهو حق إخبار الناس بما لا يريدون أن يسمعوه». إن العجز عن قول الحقيقة (بالكلام) أو عن إثبات خطأ الآخرين (بالأسعار) هو موت الحرية، كما علمنا القرن العشرون تعليمًا أليمًا: إن تقييد اللوغوس منحدر زلق إلى الشمولية. أما حرية التعبير بجميع أشكالها فهي من لوازم الفعل الأخلاقي الصحيح.

### في الاتحاد السوفييتي، كُبتت حرية التعبير وعوقبت المعارضة. لم تعامَل الأنشطة السياسية المستقلة بأي تسامح، سواء أكانت الانخراط في اتحادات العمل المفتوحة، أو العمل في الشركات الخاصة، أو الانتساب إلى الكنائس المستقلة، أو المعارضة للأحزاب السياسية. ###

 

ليس للمال نظام أخلاقي في نفسه، فهو كالكلام. ولكن ميزاته الاقتصادية تؤثر في المعايير الأخلاقية، كما علمنا بوذا: «المال أسوأ اكتشاف في حياة البشر، ولكنه أوثَق أداة لاختبار الطبيعة البشرية». المال الصادق يشجع العمل الصالح، والمال الكاذب يأتي بالمجازفات الأخلاقية. ولفهم أثر المال على الأخلاق، تأمل حالة خمّار (افتراضية) يعيش في نظام اقتصادي تحكمه البنوك المركزية. لقد علم أن بنكه المركزي ضاعف معروض المال بطباعة تريليونات الدولارات «لإنقاذ الاقتصاد»، وهو اليوم أمام ثلاثة خيارات:

 

  1. أن يبقى على حاله فيبيع خمره بعشرين دولارًا، علمًا أن قيمة كل دولار قد انخفضت إلى النصف بسبب التضخم*
  2. أن يمزج خمرته أو يستعمل مكونات أرخص، فيخفض سعر الإنتاج وجودة الخمر، ويظل يبيعها بعشرين دولارًا
  3. أن يضاعف سعرها إلى أربعين دولارًا، ليحافظ على جودة منتجها نفسها ولكن بسعر يناسب الدولار بعد التضخم

*للسهولة، سنتجاهل التفاوت المكاني والزماني للتضخم.

 

إذا اختار الخمّار الخيار الأول، خسر 50%. وإذا اختار الخيار الثاني وخلط خمره، فإنه يغشّ المستهلكين ببيعهم منتجًا أردأ. وإذا ضاعف سعره ليحافظ على الجودة، فلعلّه يخسر زبائنه لمنافسين أقل صدقًا منه، ممن قلل جودة منتجه. وما دام خلط الخمر بالماء صعب الاكتشاف (لغير الخبراء)، وما دام يقدم ربحًا ماليًّا مباشرًا، فإن كل الخمارين سيواجهون دوافع لغش زبائنهم عندما يرتفع التضخم (وهو من أسباب فضائح الخمارين). بالطريقة نفسها، يشجع التضخم كل الباعة في كل الصناعات على أن يغشوا زبائنهم. يقدم التضخم إغواءً بالسرقة لقلوب البائعين، ويجبرهم على تقديم النجاح المالي على السلامة الأخلاقية. بهذه الطريقة نجد أن التضخم داءٌ مستشرٍ في النسيج الاجتماعي الأخلاقي. وإذا كان هذا هكذا، كان المال المقاوم للتضخم ترياقًا للنظام الأخلاقي المريض. بهذا المعنى (المهم جدا)، تكون البيتكوين —العملة الوحيدة التي نسبة تضخمها النهائي 0%— دواءً لكثير من السرطانات الأخلاقية المنتشرة في العالم.

### التضخم إفقار كبير لروح الإنسانية، ومصدر لكثير من الأمراض الأخلاقية في العالم. ###

المال مصدر إغواء كبير، وقد يمكن اعتباره «قائمةً بالمالكين وما يملكون»، لأن المال يمكن (بالتعريف) استعماله لشراء أي شيء من السوق. فإذا كان لسلطة مركزية مفضلة محتكرة القدرة على إنتاج المال مجانًا، كان لها القدرة على أن تحرّف هذه القائمة كما تشاء، وكان لها دافع كبير لتفعل هذا لمصلحتها. وهذه النظرة إلى المال بوصفه «دفترًا للملكية» تضيء على الدافع الأول للمصرفية المركزية—وهي مؤسسة تنتحل صفة «سيّد الدفتر»، ولها قدرة حصرية على دعم مصالح المساهمين، وإن كان على حساب استعباد كل الآخرين.

 

يمكننا القول إن المال هو ترميز للوقت الإنساني، لأن كل شيء في السوق محتاج إلى تضحيات لإنتاجه (حتى الأرض تحتاج إلى أيادٍ لبيعها). وكما أن سند السهم هو حق في رأس مال الشركة، فكذلك المال حق في الوقت البشري، إذ يضحي الناس بالوقت ليكتسبوا مالًا يستطيعون بعد ذلك أن يصرفوه ليحصلوا على تضحيات من الآخرين. ومن الواضح أن أداةً لها القدرة على إخضاع الوقت الإنساني محلّ إغواء كبير، لأنها مصدر قدرة كبير (والقدرة في الفيزياء هي العمل على الزمن). إن شهوة القوة هي دافع معظم الحروب— لا سيما الحروب التي فيها محاولات لنهب الأموال والأطعمة والأراضي. وإن قلة القوة مرتبطة ارتباطًا قريبًا بقلة السعادة، وهو ما يجعل توطيد القوة أمرًا مغريًا، كما قال فيلو جودايوس:

 

    «لا يكون العبد سعيدًا حقًّا، إذ أيّ تعاسة في الكون أكبر من أن يعيش المرء وليس له سلطة على أي شيء، حتى على نفسه؟»

 

لم يزل المال منذ القدم عنصرًا أساسيًّا في تكوين أفكار الإنسان عن السيادة والعبودية. وعندما يكون المال مختارًا بعمليات السوق الحرة، يكون تجميعًا للوغوس الجمعي: أي توليفة للتعبيرات عن السيادة النفسية للأفراد. لكن الطواغيت المفتعلين سرقوا المال الطبيعي: وإن السبب الذي يجعلنا ننسب للحكومات «السيادة» إنما هو أنهم يمتلكون أكبر قدر من المال المختار بحرّية حول العالم، أي الذهب.

الحكومات ذات السيادة المزعومة

 

    «لم أدرك أنني عبد حتى رأيت أنني لا أستطيع أن أفعل الأشياء التي أريدها» —فردريك دوغلاس

 

على مدى 5,000 سنة، فضّل الناس استخدام المعادن النفيسة مالًا، لأنها كانت أفضل ما يحقق خصائص المال: القدرة على التقسيم، والمتانة، والمحمولية، والاعتراف والشهرة والندرة. وحكم الذهب كل أنواع المعادن المالية لأنه كان أندرها. يمكن القول إن الندرة أهم خصائص المال، إذ من دون ضمان محدودية العرض، قد تتملك الشهوة أي أحد ليضخّم العملية ويسرق القيمة التي فيها (انظر: خرز الأغري أو المال القماشي (البانو) أو العملات الحكومية اليوم).

 

لم تزل الحكومات تتدخل في الأسواق لتتحكم بصكّ عملات الذهب وعمليات الاستيداع، وكان هذا من أجل تحسين مقسومية المال ومحموليته وشهرته، من خلال إصدار عملات رسمية أو سندات استيداع. وباحتكار هذه القدرة على إصدار السندات، نقلت الحكومة عبء الثقة هذا من الأطراف المتعاملة إلى نفسها. لقد احتكرت الحكومات عبر التاريخ عملية التثبّت من قيمة المال (وزن العملات ونقائها) وبدائل المال (العملات الورقية). تذكر: الخروج من المنافسة يقاطع عملية اكتشاف الحقيقة التي تولدها الأسواق الحرة، لذلك كل ثقة بأي جهة محتكِرة تؤول إلى الزوال.

### وُجدت الحكومة من أجل أن تحمي حقوق الملكية، وهو هدف تلوّثه باحتكار المال وتزويره. ###

كل العملات الوطنية بدأت بوصفها وعودًا ورقية بالمال الحقيقي. أما اليوم، فلم يعد ممكنًا استبدال المال الحقيقي بهذه العملات، بل أصبحت وعودًا لا يمكن تحقيقها تسمّى العملات الورقية. تفرض الحكومات على المجتمعات أن تتعامل ببدائل المال هذه (وهو تقييد للوغوس الجمعي)، وتحتكر الحق بالتلاعب بمقدار العرض لهذا المال، وهو وسيلة لمصّ الثروة من المواطنين (أي سرقة وقتهم). في الواقع، إن العملات الورقية هي ديون غير مضمونة تقل قيمتها ببطء، ويُفرَض استخدامها على المجتمع. وفي الوقت نفسه، تستمر البنوك المركزية بكنز المال الحقيقي —أي الذهب— وتجري تسوياتها النهائية بينها باستعمال أداة المقايضة الأصيلة هذه التي اختارتها السوق الحرة.

 

ومن هذا المنحى، نرى أن «طباعة المال» تشير إلى تزوير العملات، أي إنتاج وعود كاذبة، لأن العملات الورقية لم تعد مرتبطة بالمال الحقيقي. ببساطة: العملات الورقية الحكومية كذبة حيّة. وبغض النظر عمّا إذا كنت ترى التلاعب بالمال وسيلة أو سلاحًا (حسب ذاتيّات ونيّات المستخدم)، فإن هذا التلاعب بمقدار عرض المال لا يفيد إلا شيئًا واحدًا: تسبيب التفاوت في الثروات (بسرقة الوقت). وكما قال جي. براسكي: «كل أداةٍ سلاحٌ، إذا أنت حملتها على الوجه الصحيح». فتزوير المال سلاحٌ لأنه أداة تستعمل لاكتساب الأفضلية في سباقات الإرادة.

 

في أزمنة الحرب، حاولت الأمم المتحاربة أن تزور عملات أعدائها لتسبب التضخم المفرط hyperinflation. فعلى سبيل المثال، كان النازيون في ألمانيا يخططون لإغراق إنكلترا بالصكوك البنكية المزورة لتخريب اقتصادها. وفي إمبراطورية اليابان، أجرى مختبر نوبوريتو تجارب لعمليات تزوير عملات، وكان هذا من خطط التخريب الاقتصادي. أما في أيام السلم، فتزوير المال هو المجال الحصري للبنك المركزي، الذي تزيد «سياسته التوسعية المالية» مقدار عرض المال بـ7% في السنة مثلًا، أي يسرق 7% فقط من ثروة أصحاب الدولار كل سنة بعمليات تزوير المال.

 

طبعًا، عندما تصبح الظروف مريبة جدًّا، يرجع المشتركون في السوق إلى الذهب، لتكون ثقتهم بالحكومة أقل ما يمكن، لأن بدائل المال (في أفضل أحوالها) ما هي إلا وعود لتسلّم المال في المستقبل، وهي وعود يمكن إخلافها. خلافًا للعملات الحكومية الورقية، الذهب تعبير عن اللوغوس الجمعي، ليس فرضًا تفرضه جهة أخرى. إن الدولة ذات «السيادة» التي تدعيها لنفسها، ما هي إلا نموذج عمل مبني على استلاب الأموال القيّمة في نفسها كالذهب والفضة. إن الخصائص المالية المتفوقة للذهب جعلته أثمن نوع من أنواع المال القيّم في نفسه عبر التاريخ، وهو شرف حافظ عليه من قبل أن تؤسس الحضارة المصرية القديمة.

الأهرام العظيمة

 

    «ثمّة طريقتان لاستعباد أي بلد. الأولى بالسيف. الثانية بالدين.» —جون آدمز

 

صور الكتاب المقدس مصر القديمة على أنها طرازٌ أولي للحكومة الاستبدادية. وتعرف مصر بأهرامها العظيمة، صروحها التي قامت على ظهور العبيد. لا شك أن عظمة هذه الصروح مدينة بشكر كبير للعبيد الذين سرق الفراعنة وقتهم. وإذا أردت أن تفهم شيئًا بسيطًا من صعوبة عملية بناء هرم واحد من الأهرام الكبيرة، فانظر في هذه النقطة التي وردت في كتاب أبطال التاريخ لوِل ديورانت:

 

    «يقول هيرودوتس إن الهرم تطلب عمل 100 ألف رجل على مدى 20 عامًا».

### ذهبت ساعات كثيرة من عمل العبيد لبناء الأهرام العظيمة، ولكن في التاريخ نماذج هرمية أسوأ من ذلك… ###

 

إذا أردنا إحصاء سرقة الوقت هذه من العبيد المصريين، وافترضنا أن كل عبد عمل 5 آلاف ساعة كل سنة في عمله اليدوي، فإن عمل 100 ألف عبد لمدة 20 عامًا يساوي 10 مليارات ساعة من الوقت المسروق. مقدار فظيع من ساعات العمل البشري الملعونة بوحشية العبودية الجسمية لبناء هرم واحد من الأهرام الكبرى، ولكنه مع ذلك أقل من الوقت الذي تسرقه نماذج العملات الورقية الحكومية الهرمية الكبرى. كما تنبّأ هنري فورد:

 

    «من حسن الحظ أن أفراد الأمة لا يفهمون نظامنا المالي والمصرفي، لأنهم إذا فهموه، ستكون ثورة قبل صباح غد».

 

النموذج الهرمي هو احتيال استثماري يقوم على بنية تراتبية من التسويق، تستفيد منها الطبقات العليا على حساب الطبقات الأدنى. العملات الورقية هي نماذج هرمية نصبتها البنوك المركزية، تقيد الوصول إلى الذهب وتكبت سعره، لأنه إن لم يقيدوا الوصول إليه تفوق على العملات الأخرى في السوق الحرة، لأن الذهب نادر فعلًا ويحفظ قيمته مع الزمن. إن استعمال العملات الورقية الحكومية مفروضٌ بقوانين فرض العملات القانونية وقوانين الضرائب. قد يكون من الصعب التصديق بأن أشهر عملة في العالم ما هي إلا نموذج هرمي، ولكن الرمز المرسوم على الدولار الأمريكي يروي قصته بنفسه:

### عبارة “Novus Ordo Seclorum” لاتينية تعني «نظام جديد للعصور»، وقد ظهر هذا الرمز بعيد تأسيس الاحتياطي الفدرالي، ولعلّه يشير إلى نظام العبودية الجديد الذي يطبق باسم «المصرفية المركزية». ###

 

بعد لعبة طويلة من الخدع الحكومية، استطاعت هذه الأنظمة الهرمية أن تحكم العالم. العملات الحكومية بدائل للمال قائمة على الدين وتتحكم بها البنوك المركزية، التي تفرض هذه الشبكات المالية على المستخدمين وتكبت كل التنافس في السوق بالإكراه والعنف (كما فعلت شركة غراو بارا ومارانهاو). وأحقر ما في هذا النظام هو أن أفقر الناس في المجتمع، الذين بالضرورة يخزنون كل ثروتهم بالعملات الورقية، هم أكثر الضحايا معاناةً من هذا النظام النصّاب.

في قمة هرم العملات الحكومية يقع الذهب: تقنية اختيرت بالإرادة الحرة المتراكمة (اللوغوس الجمعي) لتكون مالًا، اختارها ما لا يحصى من رجال الأعمال عبر التاريخ. وكان هدف العملات الورقية تجريد الذهب ليصبح أسهل في التعامل، لا استبداله. مع الوقت، أُلغيت القدرة على تبديل الذهب بالمال الورقي، وأُعطيت الحكومة السلطة المطلقة على ندرة العملة، ومن ثمّ القدرة المطلقة على استلاب الثروة من مواطنيه بالتلاعب بمقدار العرض.

 

في الواقع، في كل مرة تطبع فيها وحدة جديدة من العملة (وهو ما تسميه البنوك المركزية «التيسير الكمّي» تجميلًا) تضاف طبقات جديدة إلى النظام الهرمي من الأعلى إلى الأسفل، ويتحمل ثمن التضخم الذين يستعملون العملات الحكومية مخزنًا للقيمة. بل إن كل وحدة من العملات الحكومية تستغَلّ فتضاعَف كميتها في السوق أضعافًا كثيرة حتى تصبح جزءًا من العرض المالي الواسع. انظر إلى الاحتياطي الفدرالي مثلًا: بعد تصفية أرباح رسوم الخدمة لنفسه (لتمويل عملياته وتذهب 6% إلى مساهميه غير المعروفين)، يستعمل الاحتياطي الفدرالي دولارات جديدة ليشتري دين الحكومة الأمريكية. بعد ذلك، يصرف بيروقراطية الحكومة الدولارات المطبوعة حديثًا (أو المولّدة إلكترونيًّا، إذا أردنا الدقة) حسب تقديرهم، ولا عجب أنهم يفضلون البنوك والشركات وجماعات الضغط التي تدفع لحملاتهم الانتخابية. ومن فظاعة هذه الآليّة، أنها تعيد توزيع الثروة فتسلبها من الفقراء وتؤتيها الأغنياء (يا لعارِ روبن هود).

وما دام الناس سلبيين ومنتجين في الوقت نفسه، تستمر هذه النماذج الهرمية بالتوسّع، ويستمر نظام المصرفية المركزية في اتخاذها سلاحًا لسرقة الثروات لمصلحة المجرمين السياسيين. ولكن هذا التوسع في عرض العملات الحكومية لا يمكن أن يستمر للأبد، إذ ليس في الكون شيء مجاني. ومع تراكم الطبقات الجديدة طبقة بعد طبقة بالتيسير الكمي، وتزايد الضريبة الخفية التي يضربها التضخم على الناس، تتراجع الثقة بالعملة. كما قال همنغواي عن الإفلاس، إنه يحدث تدريجيًّا أوّلًا، ثم فجائيًّا، لأن التضخم يفسح المجال للتضخم المفرط، وهذا الأخير انهيار للعملة الموثوقة في الاقتصاد التي كان هدفها الأول تسهيل تداول المال. عند ذلك يكون «سيد المصرف المركزي» قد جار على «مواطنيه المستعبدين بمال الحكومة» فبلغوا حدّ معيشتهم الاقتصادية.

لحسن الحظ، جاءت البيتكوين، ولم تعد هذه النماذج الهرمية المالية محمية من المنافسة المباشرة (كما هي محمية من منافسة الذهب). كل العملات الحكومية معتمدة اعتمادًا أساسيًّا على قدرة المصارف المركزية على قمع المنافسة، قمع عملية الاكتشاف التي إن لم تقمع أفسدت خداعهم. إن امتلاك خُمس مقدار العرض العالمي من الذهب يعطي البنوك المركزية أثرًا كبيرًا على سعره، الذي لم يزالوا يكبتونه في أسواق الورق. من دون التدخل الحكومي، ستنهار العملات الحكومية مباشرة ويعود الناس إلى استعمال الذهب، لأن الناس دائمًا يفضلون المال الذي يحافظ على قيمته مع مرور الزمن (ببقائه نادرًا). من وجهة النظر هذه، تمثل البيتكوين —وهي الذهب الرقمي الوحيد في العالم— فتحًا عظيمًا: فهي تقنية مالية تفوق الذهب، وتقاوم محاربة البنوك المركزية للمنافسة، وهي الاكتشاف الأوحد للندرة المطلقة.

تتعرض كل الأموال إلى آلية تقييم متعددة المستويات في السوق: في البيتكوين، استفاد السبّاقون إليها استفادة كبرى لأنهم سبقوا اللاحقين (لأن عملية التمهيد الاقتصادي للبيتكوين دورة فاضلة). وتختلف البيتكوين عن الأموال الحكومية من جهة أن مقدار عرضِها يعرفه الجميع، أما عرض الأموال الحكومية فلا يمكن معرفته. في نظام الأموال الحكومية، السبّاقون هم دائمًا الذين يستطيعون طباعة المال، وهو تفاوت مكاني (وتفضيل سياسي) يجعل اللعبة ظالمة.

 

أما البيتكوين، فهي نظام فيه انتظام أكبر، لأنه يتصف بالمعلومات الكاملة، أي إن كل المشتركين في السوق يعرفون القواعد التي تحكم البيتكوين، ويستطيعون التحقق أن العرض لن يكون أكثر من 21 مليون عملة منها، ويستطيعون معرفة متى صرفت كل واحدة منها. في لعبة البيتكوين، جُعل تضخّم العرض غير المتوقع صفرًا مطلقًا، لمصلحة الممسكين (الذين يخزنون قيمة عملهم بالبيتكوين). المعلومات الكاملة ضرورة لمفهوم التنافس الكامل الاقتصادي: وهو وضع مثالي في السوق (لا يمكن بلوغه) يكون فيه التنافس حرًّا من كل التقنينات ويكون فيه إنتاج الثروة أعظميًّا. ومن أعظم ما تعد به البيتكوين أن تدفع الأسواق العالمية لتصبح أقر من هذه الحالة الاقتصادية الكاملة، من خلال فصل المال عن الحكومة.

 

يلغي هرم «الذهب الرقمي» هذا، المبني من طبقات لا تتغير، المخاوف الجوهرية في العملات الحكومية. يتركز طلب المال على اليقين النسبي بخصائصه المالية، لأن المال «ضمان ضد الريبة»، والبيتكوين تستمثل كل الخصائص المالية: فلها مقسومية المعلومات المحضة ومحموليتها ومتانتها، ولها ندرة الوقت. لا يمكن إنكار حقيقة محدودية العرض بـ«21 مليون بيتكوين»، كما لا يمكن إنكار الموت، ولا الضرائب. ومع الرغبة في السبق بتبنّي هذه العملة الرقمية النادرة ندرة مطلقة، والممتنعة على السرقة، تتميز البيتكوين بجاذبية نظرية الألعاب التي ستفرضها فرضًا على السوق العالمي. ومن المفارقة أن هذا الفرض هو الذي يؤدي إلى تحرير مزيد ومزيد من عبيد المال الحكومي في أنحاء العالم.

يتميز هرم البيتكوين بطوله الثابت، إن الندرة المطلقة لهرم البيتكوين المالي تتفوق على نموذج المال الحكومي الذي يطول يومًا بعد يوم بالتضخم ويصبح أقلّ موثوقية. في النهاية، ستنهار «بيوت الورق» الرمزية هذه، وينتقل الناس إلى شفافية البيتكوين ويقينها. وسواءٌ أدرك المشتركون في السوق هذا أم لم يدركوه، فإن المعلوم يقي من المجهول في مجال المال.

 

إذا نظرنا من هذه الناحية، وجدنا أن للأمل مكانًا في هذا العالم، إذ قد أصبح أخيرًا فيه مالٌ معروفٌ مطلقًا، ممتنع على الفساد، بديلٌ لنظام المصرفية المركزية الفاسد أخلاقيًّا من راسه إلى أساسه. البيتكوين مال صادق يحرر العالم من كذب العملات الحكومية. بمعنى تجريدي، قد تكون البيتكوين هي الشيء الذي طلبه الخيميائيون القدماء قرونًا عددًا: المادة التي لا تفسد —التي سمّتها النصوص العتيقة حجر الفلاسفة— التي ستكون ترياقًا لفساد العالم. وقد كتب جوردان بيترسون عن الخيمياء في كتابه العميق خرائط المعنى، فقال:

 

    «إن عملية التحول الخيميائي توازي آلام المسيح، توازي أسطورة البطل وخلاصه. إن الرسالة الجوهرية للخيمياء هي أن رفض الفرد للاستبداد، وسعيه الطوعي إلى المجهول المخيف —المحكوم بإيمانه بالمثال— قد يولّد تحوّلًا فرديًّا عميقًا إلى درجة أنه لا يمكن أن يوجد إلا في أعمق الأساطير الدينية، إن حجر الفلاسفة هو أداة التغيير المكافئة للبطل المخلّص الأسطوري، لأنها تستطيع أن تقلب ‹المعادن الخسيسة ذهبًا›. فحجر الفلاسفة شيءٌ أقوَم من الذهب، كما أن البطل أقوَم من أي شيء من منتجاته.

 

لقد كانت المناهج الخيميائية «علمًا بدائيًّا»: عمليات تجريبية مورست على مدى آلاف السنين وكانت أساسًا لتطور المنهج العلمي بعد ذلك (فحتى إسحاق نيوتن كان خيميائيًّا). كانت الخيمياء، بوصفها مدرسة فكرية، افتراقًا عن الكنيسة، قائمًا على أن المعرفة المخلّصة يمكن أن توجد في مختبر الطبيعة (وهو مفهوم هرطقي في ذلك الزمن). البيتكوين طليعة الإنجازات البشرية، وهي المال الوحيد الممتنع على التلاعب، الذي يلهم تحولات كثيرة في حياة المؤمنين به، لعلّ البيتكوين فعلًا هي حجر الفلاسفة الذي طلبوه قرونًا عديدة، المادة التي لا تفسد، التي تتمرّد على استبداد الحكومة وتعيد البشر إلى الله. البيتكوين هي الحقيقة، والله، بتعريف جوردن بيترسون، يعبَّر عنه بالقول الحقّ، الذي يصلح التراتبيات الهرمية المريضة. كما قال بنجامين فرانكلن:

 

    «الخروج على الظلَمة طاعة لله».

 

الله سرمديّ، كالحرّية والحب والحقّ. وأنا لست أتكلم عن «الرجل الذي في السماء هنا»: الفكرة القديمة التي في سفر التكوين تقول إن الله هو القوة التي تواجه فوضى المحتمَل بحرية وشجاعة وصدق وحب، لتقلبها إلى نظام صالح نافع. خُلق الإنسان على صورة الله، لذا فكلّنا أفراد أسياد مشبعون باللوغوس، القوة المولدة لنفسها المسؤولة عن قدرتنا على تحويل العالم الطبيعي إلى فضاء خيّر صالح للسكن. مستقبلنا مزروع في خيالنا، وهو واقع نستدعيه باستعمالنا اللوغوس في الفكر والقول والفعل. اللوغوس نفخة إلهية في جوهر كل واحد منا، وبعد أن ندرك أن الكلمات لا تستطيع أن تعبر عن الحقيقة الروحانية تعبيرًا دقيقًا، فإن لنا أن نغامر ونقول: الله هو المبدأ المضاد للفوضى الذي لم يزل مبثوثًا في كل أنحاء الحياة. كما قال جلبرت تشسترتون:

 

    «الموَات يجري مع التيار، أما الشيء الحيّ فهو الذي يستطيع أن يجري عكسه».

 

لنجسّد مبدأ اللوغوس الإلهي تمثيلًا حقًّا على المستوى الفردي، ونقارب أبدية الله على المستوى الجمعي، لا بد أن ننتصر على قوى الشر التي تسرق أوقاتنا سرًّا دائمًا.

سرقة الوقت

 

    «إن القانون يعفي نوعًا واحدًا من السارقين، هو الذي يسرق أثمن شيء على الإنسان: الوقت». —نابليون بونابارت

 

يرمي كثير من الناس الرأسمالية بشتّى المشكلات الاقتصادية في العالم. ولكن الحقيقة أن قلبَ كل نظام اقتصادي حديث هو مؤسسة اشتراكية: المصرف المركزي. بمعنًى بدائي، أول رجل حفر حفرة ليحمي نفسه من الطقس كان أول رأسمالي، وأول رجل اقتحم هذه الحفرة وانتهكها لأغراضه الخاصة كان أول اشتراكي. الرأسمالية تعني ببساطة الحق الحصري لكل أحد بثمار عمله، بعبارة أخرى: أن كل إنسان يملك وقته. الرأسماليون الأقحاح أحرار ليتاجروا بأي شيء قيّم استثمروا وقتهم لينتجوه (سواء أكان بضاعة أو خدمة أو معرفة) مع الناس المالكين لأنفسهم. أما الاشتراكية، من جهة أخرى، فتعني أن الحكومة (أي الناس الآخرين) لهم نصيب (كبير أو صغير) في جهدك ووقتك، «رطل من اللحم»، يسرقونه منك بالتجنيد الإجباري والضرائب والتضخم.

 

المال الحكومي الاشتراكي هو دم الحكومة المستبدة وروحها، ولكي نفهم حجم نظام المصرفية المركزية الذي يسرق أوقات الناس، فلنلق نظرة على الاحتياطي الفدرالي. باستعمال بيانات الرواتب السنوية من إدارة الحماية الاجتماعية، والتغيرات في معروض المال الأمريكي M2، وبافتراض أن كل عامل يعمي ألفَي ساعة في السنة، سنصل إلى أرقام مذهلة. بتقسيم النمو في معروض الدولار الأمريكي على متوسط الأجر الساعي في كل سنة، نحسب مقدار الساعات المسروقة من المجتمع من خلال توسيع المعروض النقدي الأمريكي M2 (رابط المصدر).

### «طباعة المال» هي تزوير المال وسرقة الوقت الإنساني، بكلمة واحدة: هي العبودية. ###

يسرق بيروقراطية الاحتياطي الفدرالي متوسط 7.6% من ساعات العمل كل سنة منذ عام 1981، أي إنهم استطاعوا أن يسرقوا نحو تريليون ساعة من عمل الكادحين. بفرض أن كل إنسان يعمل 2,000 ساعة كل عام، يكافئ هذا استعباد 11.7 مليون نسمة 40 عامًا. هذه الضريبة المتضمنة في التضخم، إلى جانب كل الضرائب التي تفرضها الحكومة الأمريكية، كلها أفعال من أفعال الاشتراكية المحضة. إذا لم تكن التعاملات مجراة في سوق بالتراضي والإرادة لجميع الأطراف، فإنها تعاملات مغتصبة، هذا هو المبدأ الأساسي من مبادئ رأسمالية السوق الحرة.

 

إن الوقت الذي سرقه الاحتياطي الفدرالية منذ 1981 أكثر من تجارة العبيد الأطلسية بمقدار 341% كل عام. بسرقة 23.4 مليار ساعة كل عام، يستطيع الفدرالي الاحتياطي (نظريًّا) أن يبني 2.3 هرمًا كل عام. إن العملات الحكومية هي أكبر نموذج هرمي وأكبر مؤسسة استعباد في تاريخ الإنسان، من حيث سرقتها للوقت الإنساني.

عندما نكف عن النظر إلى المصرفية المركزية بوصفها قصة اقتصادية، وننظر إليها على أنها قصة جنائية، سنعرف حينها الصورة الحقيقية. الرأسمالية مؤسسة على الحق (العمل الجاد وتأجيل المتعة والتجارة النزيهة) أما الاشتراكية فمؤسسة على الباطل (البيروقراطية والتضليل والسرقة). كالخرز المزور والقماش المزور، استعمل الدولار المزور للعمليات العسكرية، التي كانت قبل وجود العملات الحكومية تتطلب ضرائب مباشرة أو دينًا مباشرًا. المال الاشتراكي هو المصدر الذي يغذي كل الشرور: لقد استعمل هذا المال لتمويل كل دكتاتور، وكل حرب عالمية، وكل معسكر اعتقال في تاريخ الإنسان. في القرن العشرين وحده، قتلت الحكومات المدعومة بالمال الاشتراكي أكثر من 169 مليون نسمة، وهي فظاعة من فظاعات العصر الحديث، فظاعة قتل الشعوب:

### جدول يحصي جرائم القتل التي نفذتها الحكومات بين عامي 1900–1987 بالملايين: 169,202,000 ضحية لقتل الشعوب. ###

التاريخ واضح: لن يقود الإكراه على استعمال المال الاشتراكي حول العالم إلا إلى خسائر وحشية في الأرواح. ببساطة: الاشتراكية احتيال، والصامتون على جرائم المصرفية المركزية مشتركون في الجريمة. وقد عبر نسيم طالب عن هذا الأمر حين قال:

 

    «إذا رأيت الاحتيال ولم تقل هذا احتيال، فأنت محتال».

 

ليس التخطيط المركزي للمال فكرة جديدة. في بيان الحزب الشيوعي الذي أصدره ماركس عام 1848، ورد في المعيار الخامس: «مركزة المال في يد الحكومة، من خلال مصرف مركزي فيه رأسمال الدولة، ونظام احتكار حصري». وباستنتاج واضح من كتاب ماركس: ليس في نظام المصرفية المركزية أي شيء رأسمالي، بل هو منظمة ضد الرأسمالية، لذا فلنسمّ الأشياء بأسمائها، ولنقل بحق: المصرفية المركزية اشتراكية مالية، مؤسسة عبودية مالية. وقد كان كارل ماركس عنصريًّا معروفًا، وكان نظام المصرفية المركزية الذي صممه مخصصا لاستلاب الثروة من الذين تعدّهم الدولة «دونًا». فلا عجب إذن أن مؤسسة قائمة على الفلسفة الماركسية تحورت إلى مالك عبيد عنصري.

 

يريد ملّاك العبيد أن يسرقوا منافع العمل من دون أن يقدموا التضحيات اللازمة. في كل المجتمعات التجارية، فُضّل الذهب وسيلة للتعامل لأنه يتطلب «برهان العمل»: وهو تكلفة لا يمكن تزويرها، ومن ثم فهي تمثل في نفسها التضحيات الجمعية التي جرت للحصول عليها. العمل مسعًى نبيل، لأنه يقرّبنا من أبدية الله، كل الابتكارات تحسّن الإنتاجية، كلها أدوات لتحقيق نتائج أكبر في مجال الوقت نفسه. أما السرقة فهي عكس ذلك: ليٌّ لنسيج الحقيقة الأخلاقي لخدمة النفس في تحدٍّ للإله السرمدي. كل المحاولات لليّ الحقيقة ستنفجر في وجه صاحبها: إن خلاصنا الوحيد من هذا الخداع هو الحقيقة.

 

في الحقيقة، المال بنية اجتماعية متخذة للتضحية بالوقت الآن وتخزينه للمتعة بعدُ. ينشأ الدين بالاستمتاع الآن على حساب تضحية مستقبلية. المال الحقّ هو نهاية الدَّين. العملات الحكومية مناقضة لمفهوم المال، لأنها لا تكون إلا بالدين. وبذلك، فإن الأنظمة الاقتصادية القائمة على العملات الحكومية أمضت أكثر من قرن غارقة في الديون، وقد أوشكت تصفية هذه الديون: فالحقيقة الاقتصادية تتطلب دفع التضحيات اللاحقة، وهو الشيء الذي يفسر أن الحكومات اليوم على حافة الإفلاس (المالي والأخلاقي).

 

من أهمّ عناصر العقد الاجتماعي، أن الوقت الذي نستهلكه اليوم في خدمة المجتمع، يجب أن يكسبنا مالًا يمكن به أن نخدَم خدمات مكافئة في المستقبل. عندما ينهار هذا الاتفاق الزماني بسبب سرقة الطواغيت للمجتمع من خلال التضخم، يتجه المجتمع إلى التفكك. إن العملات الحكومية هي أداة الشر الأخطر في العالم: سلاح للسرقة عبر الأجيال يحمله ملّاك عبيد على محكومين غافلين.

ملّاك العبيد الحديثون

 

    «إذا كنت رجلًا فقيرًا فهذا صعب، لكن إذا كنت عرقًا فقيرًا في أرض من الدولارات فهذه أصعب المصاعب». —ويليام دو بوا

 

إن آليات السيد والعبد لم تزل دائمًا عرقية أو ثقافية بطبيعتها، وهي حقيقة لم يغيرها زماننا الحاضر «المتمدن». لقد شهدت السنين الأخيرة في الولايات المتحدة ازديادًا في وحشية الشرطة الموجهة في كثير من الأحيان ضد الأفارقة الأمريكيين. ويبدو أن آخر حدث لوحشية الشرطة كان القشة الأخيرة في مجتمع غصّ بقصص لا تنتهي من اعتداء الشرطة على حياة السود. في 25 مايو عام 2020، قُتل جورج فلويد، الأب والأخ والصديق ذو الستة والأربعين عامًا، على يد ضابط شرطة. ثبّت الشرطي فلويد بوضع ركبته على رقبته، وقتله قتلًا بطيئًا على مدى تسع دقائق، جهارًا نهارًا أمام أعين المواطنين الناظرين بلا حول منهم ولا قوة.

تذكر: الحقيقة منتهى الطلب. في العصر الرقمي، أصبحت نوافذ الإدراك متعددة جدًّا، وهو ما يسقط ضوء الطلب على أنماط منشورية متداخلة. هذه الخصيصة من خصائص الوجود الرقمي، خصيصة تعدد المنظورات، تسرّع عملية إيجاد الحقيقة للأسواق الحرة: تأمل دور التقنيات الرقمية في انتفاضات الربيع العربي، وويكيليكس، ومظاهرات جورج فلويد حول العالم. في عام 1965، قاد مارتن لوثر كنغ احتجاجًا ضد ممارسات التصويت غير المتساوية في ألاباما، فهاجمت الشرطة النشطاء وهم يحتجون. ومع أن أحداثًا مشابهة كثيرة وقعت من قبل هذا، فإن الفرق أن هذا الحدث كان مصورًا على التلفاز، وهو ما صنع الفرق. عندما رأت أعين العالم الشرطة تقمع محتجين سلميين على الهواء مباشرة، أجبرت الحكومة بعيد ذلك على أن تشرّع حظر الفصل العرقي والتمييز.

 

رأسمالية السوق الحرة هي نظام اجتماعي نرى فيه العالم من شتّى وجهات النظر (بالكلمات والأسعار)، لنصل إلى صورة عالية الدقة للحقيقة. في العصر الرقمي، تضخّمت تعددية الآراء هذه بالهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، لتوقظ وعينا الجمعي. الحقيقة أن آلاف القصص المأساوية من قبيل قصة جورج فلويد قد ظهرت مع الوقت، ولكن نشر قصته على وسائل التواصل الاجتماعي هو الذي أوقد الغضب ضد وحشية الشرطة. في الماضي، قلّما كان القتلة يعرَفون، لكن في هذا العصر الجديد قد يشعل قتل رجل واحد «تمرّدًا لعبيد مال الحكومة» حول العالم. إن انتشار مقتل جورج فلويد كالنار في الهشيم في وسائل التواصل الاجتماعي وتفجيره احتجاجات عامة في كل العالم دليل على الأثر الانعكاسي الذي تؤثر فيه التقنية الرقمية على ضوء طلب الحقيقة، وعلى اكتشاف الحقيقة من ثم.

### إن توليف وجهات نظر عديدة ضروري لاكتساب صورة عالية الدقة للحقيقة: هذا هو جوهر كل الأسواق الحرة— أي كل المنتديات التي يصبح فيها الاستعلام أو الطلب وسيلة للحقيقة. ###

الحقيقة أن الشرطة حماة «أملاك» الحكومة: وظيفتهم «الحفاظ على السلام» في حين تحافظ الدولة على نظام السرقة المستمرة من عبيد المصرفية المركزية. بدأت أقسام الشرطة في كثير من المدن الأمريكية الجنوبية دوريّاتٍ للعبيد مهمتها مساعدة ملّاك الأراضي في استعادة العبيد الهاربين وعقابهم، لتحافظ على «حقوق الملكية» لهؤلاء السادة. وحتى اليوم، وظيفة الشرطة أن تحقق في الجريمة وتجمع معلومات للمحكمة، لا أن تحمي حياة المواطنين. كما جرى المثل: «المُلْك تسعة أعشار القانون»، لذا فليست الشرطة —مجموعة من المحققين المسلحين— حقًّا إلا تبعًا ممجّدين من أتباع الحكومة.

 

يُبعِد طلب الحقيقة الأكاذيب ليظهر الحقيقة: هذا هو سبب فشل المصرفية المركزية دائمًا— إنه نظام مبني يعتمد اعتمادًا أساسيًّا على الجهل والخوف وكبت حرية الاختيار، لن يستطيع النظر المحدق الموجود دائما في العصر الرقمي. عمليات التزوير المركزية لن تُقبَل في عالم له وصول غير مسبوق إلى المعرفة. قبل أن يُقتَل جورج، اعتُقل لمحاولته استعمال ورقة 20$ مزورة: وهي الجريمة نفسها التي يقترفها الاحتياطي الفدرالي بأحجام مضاعفة. ملايين، مليارات، تريليونات: يسهل لفظ هذه الأرقام، ولكن يصعب فهم الحجم الحقيقي لعمليات تزوير المال التي تدعمها الحكومة. قد تنفع هذه الصورة:

### قُتل جورج فلويد لتزويره ورقة ذات 20$، أما الاحتياطي الفدرالي فيزوّر تريليونات الأوراق. ###

كل دولار أمريكي هو دليل على سرقة الوقت، ولعل هذا التمثيل بالصورة للدين الوطني يدلّنا على مقدار ضخامة سرقة الوقت الممأسسة لنظام المصرفية المركزية:

### الدين الوطني الأمريكي بعملة الدولار الحكومية. هذه الصورة من عام 2017، أما اليوم فالدين الأمريكي بلغ 26 تريليون دولار، فلو مثّلناه لم يظهر لنا تمثال الحرية اليوم. ###

تذكر: تنزلق المجتمعات إلى العبودية دائمًا عندما تستطيع فئة مخصوصة من الناس أن تنتج المال أرخَص من أي أحد آخر. لذلك، ليس في المنال أن يكون العالم حرًّا قبل إنهاء المصرفية المركزية.

 

ومن المفارقة والفظاعة، أن جورج فلويد ضُغط ليستعمل هذه الورقة المزور لأن الاحتياطي الفدرالي يزور الدولارات بأحجام كبيرة. مرّة أخرى، إن صفات المال تؤثر تأثيرا مباشرًا في المعايير الأخلاقية: فالأنظمة الهرمية المالية الحكومية قائمة على برهان السرقة، وهو ما يدفع الناس إلى طلب الربح والسرقة والخداع ليبلغوا مطالبهم. يضرّ التضخم أفقر الناس فينا، وهو ما يفسر أن متوسط ثروة الأسرة السوداء في أمريكا الحديثة أقل بـ 10% من متوسط ثروة الأسرة البيضاء (بين $17,000 و $171,000) وما زالت في هبوط. كما قال مايكل كريغر واصفًا اتّخاذ أنظمة العملات القائمة على الدين سلاحًا:

 

    «هذا [النظام المالي] لا يدعم الناس، بل يحولهم إلى خدمٍ عميان عالقين إلى ما لانهاية في عجلة فئران، ويكادون يفقدون الأمل. وهذا الأمر ليس حادثًا صدفة، بل هي أداة مجرَّبة مختبرة، إذا جمعنا إليها التضليل الإعلامي غير المقطوع، كانت طريقة فعالة في إنشاء طبقة دنيا خاضعة حيرانة بائسة.»

 

بشرائك البيتكوين، أنت تشارك في احتجاج عالمي ضد الأنظمة الهرمية التي تحكمها الحكومات بطريقة لا يستطيع السياسيون تجاهلها، لأن المال هو نظام التصويت الوحيد التي لا يمكن كتم صوتك فيه.

### اشترِ البيتكوين، وودّع ملّاك العبيد. ###

لم يختر أحد منا في أي دولة يعيش، ولكن بفضل ساتوشي ناكاموتو فإننا اليوم جميعًا أحرار في اختيار أموالنا. أول خطوة في رحلة تعليم الذات: لم تكن صدفة أن المناهج التي تعلمنا إياها الحكومة لا تحوي شيئًا عن أصول المال وكيفية عمله. ولحسن الحظ، يعد الإنترنت كنزًا خفيًّا من الموارد إذا كنت تعرف أين تبحث (انظر إلى بعض المقالات هنا، وهنا، وهنا، وهنا، وهنا، وهنا، وهنا، وهنا، وهنا).

 

مرة أخرى: الأسواق الحرة هي ألعاب اقتصادية تلعَب لأجل معرفة الحقيقة، أما المتلاعبون بالأسواق فغشاشون كذَبة. بهذا المعنى، فإن الاحتياطي الفدرالي مثله مثل فريق رياضي يستطيع تسجيل النقاط بضغطة زر: فريق لا يلعب بالقواعد نفسها التي نلعب كلنا بها. ولا لبسَ في أن مواجهة خصم «لا يقهر» مثل هذا يشوّه أخلاق اللاعبين الآخرين في السوق، الذين يُسرَقون كيفما لعبوا. المال لعبة أبديّة، وفيها أعلى الرهانات التي يمكن أن نتخيلها—الحرية الإنسانية. ببساطة: تزوير المال استعباد. بكسر سلطة البنك المركزي على المال، البيتكوين قوة إعتاقية ناشئة في عالم يعاني عبودية المال الحكومية.

مطاردة النور

 

    «لقد صلّيت عشرين سنة، فلم يُستَجب لي، إلى أن صلّيت بساقَيّ». —فردريك دوغلاس

 

مسرعين تحت نجوم السماء، يساعدهم التحريريون الجمهوريون، هرب العبيد من الجنوب الأمريكي وخاطروا بكل شيء ليذهبوا شمالًا ويحاولوا عبور الحدود إلى ولايات كندا المحررة. كان إيجاد الشمال تحدّيًا في تلك الأزمنة، ولكن من حسن الحظ كان لهؤلاء العبيد بعض المعارف — من قبيل أن الطحالب تنمو على الجانب الشمالي من الأشجار، أو الطرق المتجهة نحو الشمال التي تسلكها الطيور المهاجرة — ساعد هذا العبيد الهاربين في طلبهم للحرية. ربما كان أهم هذه المعارف نجم الشمال، الذي لا يغير مكانه في سماء الليل، خلافًا للأجرام السماوية الأخرى.

 

تغطّى العبيد الشجعان بغطاء العتمة، واعتمدوا على ثبات نجم الشمال ليعرفوا دربهم نحو الحرية. في ظروف الشك والحيرة وقلة الثقة، كان هذا المصباح السماوي — النجم الهادي — نورًا هاديًا إلى السكة الحديدية تحت الأرض، وهي شبكة من الطرق السرية والبيوت الآمنة التي تؤمن عبورًا آمنًا للأفارقة الأمريكان إلى كندا. دعم النشطاء ضد العبودية من أمثال هاريت توبمان هذه الشبكة التطوعية المرنة السرّيّة، التي كانت أداةً للتخلص من مؤسسة العبودية التي كانت مفروضة بقوة في أمريكا قبل الحرب الأهلية.

أما في العصر الحديث، فإننا مرة أخرى وجدنا طريقة للتغلب على العبودية المالية التي يفرضها علينا الاحتياطي الفدرالي، بشبكة مفتوحة المصدر برمجها متطوعون سرّية مشفرة، يقودها نجمها الخاص: معروض نقدي لا يتغير مقداره 21 مليون بيتكوين. رأى العبيد الأفارقة الهاربون أن نجم الشمال العالي في السماوات بعيدًا عن متناول سادتهم الحاقدين كان هديّة من الله، نورٌ لا ينطفئ للتحرير. البيتكوين —مال للسوق الحرة له معروض مالي محدد تحديدًا مطلقًا عند 21 مليون بيتكوين— هو النجم الذي لا ينطفئ لعبيد المال الحكومي الذين يريدون التخلص من الحكومات التي تحكمها المصرفية المركزية. إن الاعتماد العالمي للبيتكوين إعتاقٌ للبشرية من رقّ المصرفية المركزية، إلى الأبد مرة واحدة.

 

نحن كلنا شهادات حية على إحراق زيف المؤسسات بمال نزيه لا يمكن إيقافه. البيتكوين هي نجم الأمانة اللاهب الذي يبتلع أوهام العملات الحكومية في كل مكان. من رماد قربان طائر الفينيق هذا (العنقاء)، سينشأ مجتمع مبني على المبادئ الحقّة للمسؤولية والشرف والنزاهة. لأن البيتكوين تمثيل للمال الحقّ، فإنها منارة لا يمكن أن تُخفى ولا أن تُهزَم. كما علمنا بوذا حين قال:

 

    «ثلاثة أشياء لا يمكن أن تُخفى طويلًا: الشمس والقمر والحق».

 

البيتكوين انتفاضة ضد أقوى حصون الاشتراكية في العالم الحر: المصرفية المركزية. إنها ثورة سلمية فيها تجريد مستمر للطغاة من أسلحتهم التي يستعملونها لينهبوا الثروات. البيتكوين سلاح سلمي يستعمل لإنهاء سرقة الوقت. طراز أولي خيميائي، وترياق لفساد الحكومات والأخلاق المجتمعية. البيتكوين حقيقة لا تُكبَح، لأنها مال نزيه للسوق الحرة، وتعبير عن الرأسمالية الخالصة وإعلان حديث لاستقلال عبيد المال الحكومي حول العالم.

 

البيتكوين مالٌ بلا سادة: نظامٌ تحكمه القوانين لا الحكّام. بإيقاظ العالم من كابوس العبودية المالية، البيتكوين حلم للحرّية يتحقق.

شكرًا لقراءتكم سادة المال وعبيده.